مجتمع

ثقافة القراءة تراجع مقلق في زمن السرعة الرقمية

في وقت تتسارع فيه وتيرة الحياة وتغزو الشاشات تفاصيل اليوم، تعود ثقافة القراءة إلى الواجهة بوصفها قضية مجتمعية تثير اهتمام الفاعلين التربويين والثقافيين. تقارير رسمية ومبادرات ثقافية حديثة تؤكد أن القراءة لم تعد أولوية لدى فئات واسعة، ما يطرح أسئلة جدية حول مستقبل المعرفة والوعي في المجتمعات العربية.

هذا التراجع لا يقاس فقط بعدد الكتب المقروءة، بل بانعكاسه على مستوى التفكير النقدي، والتحصيل الدراسي، والمشاركة الثقافية في الفضاء العام.

مفهوم ثقافة القراءة وأهميتها في بناء الفرد

تُعرَّف ثقافة القراءة بأنها العلاقة المستمرة بين الفرد والكتاب، سواء كان ورقيا أو رقميا، بهدف اكتساب المعرفة وتنمية الفكر. ولا تقتصر القراءة على التعليم المدرسي، بل تمتد لتشمل الاطلاع الحر والتعلم الذاتي.

القراءة تسهم في توسيع المدارك، وتطوير اللغة، وتعزيز القدرة على التحليل والاستنتاج. كما تعد أداة أساسية لبناء شخصية متوازنة قادرة على التفاعل الواعي مع القضايا الاجتماعية والفكرية.

في المجتمعات التي تنتشر فيها القراءة، يلاحظ ارتفاع مستوى الحوار، وانخفاض نسب الأمية الفكرية، وازدهار الإبداع في مختلف المجالات.

واقع القراءة في العالم العربي بالأرقام المتاحة

تشير تقارير صادرة عن منظمات ثقافية دولية إلى وجود فجوة واضحة بين معدلات القراءة في الدول العربية ونظيراتها في الدول المتقدمة. هذه التقارير تعتمد على مؤشرات مثل عدد الكتب المنشورة، وعدد المكتبات، ومعدلات الإقبال على المعارض الثقافية.

ورغم وجود اختلافات بين الدول العربية، فإن القاسم المشترك يتمثل في ضعف القراءة الحرة خارج الإطار الدراسي. ويلاحظ أن فئة الشباب، رغم ارتباطها بالتكنولوجيا، لا تقبل بشكل كاف على قراءة الكتب الطويلة أو المتخصصة.

هذا الواقع يسلط الضوء على تحد ثقافي يتجاوز مسألة توفر الكتب إلى نمط الحياة السائد.

المدرسة ودورها في ترسيخ حب القراءة

تلعب المدرسة دورا محوريا في غرس عادة القراءة منذ الطفولة. غير أن التركيز المفرط على المقررات والامتحانات جعل القراءة في نظر كثير من التلاميذ نشاطا إلزاميا لا متعة فيه.

غياب المكتبات المدرسية المجهزة، وقلة الأنشطة القرائية، يحدان من فرص التلميذ لاكتشاف الكتاب خارج المنهج. كما أن ضعف تكوين بعض المدرسين في تنشيط القراءة يؤثر سلبًا على النتائج.

إعادة الاعتبار للمطالعة الحرة داخل المؤسسات التعليمية يعد خطوة أساسية لبناء جيل قارئ.

الأسرة وتأثيرها المباشر على سلوك القراءة

الأسرة هي الفضاء الأول الذي يكتسب فيه الطفل عاداته اليومية، ومن بينها القراءة. وجود الكتب في المنزل، ومشاهدة الأطفال لآبائهم وهم يقرؤون، عوامل تشجع بشكل غير مباشر على حب المطالعة.

في المقابل، غياب هذا النموذج يجعل الطفل أكثر ارتباطا بالشاشات، ويضعف علاقته بالكتاب منذ الصغر. وتشير دراسات تربوية إلى أن الأطفال الذين ينشؤون في بيئة قارئة يحققون نتائج أفضل في التعلم.

دعم الأسرة لثقافة القراءة لا يتطلب إمكانيات كبيرة، بل وعيا بأهميتها واستمرارية في الممارسة.

الإعلام ودوره في تعزيز أو تهميش القراءة

يلعب الإعلام دورا مزدوجا في هذه القضية. فمن جهة، يمكن للبرامج الثقافية والملاحق الأدبية أن تعيد الاعتبار للكتاب والكاتب. ومن جهة أخرى، تساهم بعض المضامين السطحية في صرف الاهتمام عن القراءة الجادة.

التركيز على الأخبار السريعة والمحتوى الترفيهي القصير أثر على قدرة الجمهور على التفاعل مع النصوص الطويلة. ومع ذلك، لا يزال للإعلام فرصة حقيقية لدعم القراءة عبر تسليط الضوء على الإصدارات الجديدة، والحوارات الفكرية، والمبادرات الثقافية.

الإعلام المسؤول قادر على تحويل القراءة من نشاط نخبة إلى ممارسة مجتمعية.

المكتبات العامة بين الواقع والتحديات

تعد المكتبات العامة ركيزة أساسية في نشر ثقافة القراءة، خاصة في المدن الكبرى. غير أن العديد منها يعاني من ضعف التحديث، وقلة الأنشطة، وتراجع عدد الزوار.

في بعض المناطق، تشكل المسافة الجغرافية عائقا أمام الوصول إلى المكتبة، بينما تعاني مناطق أخرى من غيابها الكامل. كما أن التحول الرقمي لم يواكب دائمًا بتوفير منصات إلكترونية بديلة.

إعادة تأهيل المكتبات، وربطها بأنشطة ثقافية منتظمة، من شأنه أن يعيد لها دورها الحيوي.

القراءة في عصر الرقمنة: تهديد أم فرصة؟

مع انتشار الهواتف الذكية والإنترنت، تغيرت أنماط القراءة بشكل ملحوظ. أصبح الوصول إلى المعلومة أسرع، لكن غالبًا أكثر سطحية. هذا التحول أثار مخاوف من تراجع القراءة العميقة.

في المقابل، وفرت الرقمنة فرصا جديدة مثل الكتب الإلكترونية، والمنصات التعليمية، والمكتبات الرقمية. هذه الأدوات سهلت الوصول إلى المعرفة، خاصة لفئات لم تكن قادرة على اقتناء الكتب الورقية.

التحدي الحقيقي يكمن في توجيه الاستخدام الرقمي نحو قراءة ذات جودة، بدل الاكتفاء بالمحتوى السريع.

المبادرات الثقافية ودورها في إحياء القراءة

شهدت السنوات الأخيرة إطلاق عدة مبادرات تهدف إلى تشجيع القراءة، مثل معارض الكتب، والنوادي القرائية، وحملات التبرع بالكتب. هذه المبادرات غالبًا ما تُطلقها مؤسسات رسمية أو جمعيات مدنية.

معارض الكتاب، على وجه الخصوص، تشكل مناسبة سنوية لإعادة ربط القارئ بالكتاب، وخلق حراك ثقافي مؤقت لكنه مؤثر. كما تساهم الأنشطة الموازية، مثل الندوات والتوقيعات، في تعزيز هذا الدور.

استدامة هذه المبادرات تبقى رهينة بالدعم والمتابعة والتقييم المستمر.

تأثير ضعف القراءة على المجتمع

تراجع ثقافة القراءة لا يؤثر فقط على الفرد، بل ينعكس على المجتمع ككل. ضعف القراءة يرتبط بانخفاض الوعي العام، وتراجع القدرة على التفكير النقدي، وسهولة انتشار المعلومات المغلوطة.

كما يؤثر ذلك على سوق النشر، والإنتاج الثقافي، والبحث العلمي. المجتمعات التي لا تقرأ تواجه صعوبات في مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.

من هنا، تصبح القراءة مسألة تنموية بامتياز، وليست مجرد نشاط ثقافي.

القراءة والتنمية البشرية المستدامة

تؤكد تقارير التنمية البشرية أن التعليم الجيد، الذي تعد القراءة جزءا أساسيا منه، هو مفتاح التنمية المستدامة. القراءة تمكن الأفراد من اكتساب مهارات جديدة، وتحسين فرص العمل، والمشاركة الفعالة في المجتمع.

الدول التي تستثمر في نشر القراءة تحقق نتائج أفضل في مجالات الابتكار والاقتصاد المعرفي. لذلك، تدرج القراءة ضمن السياسات العمومية المرتبطة بالتنمية والتعليم.

الاستثمار في الكتاب هو استثمار طويل الأمد في الإنسان.

دور المؤسسات الرسمية في دعم ثقافة القراءة

تقع على عاتق المؤسسات الرسمية مسؤولية وضع سياسات ثقافية واضحة لدعم القراءة. يشمل ذلك دعم النشر، وتوفير الكتب بأسعار مناسبة، وتشجيع القراءة في الفضاءات العامة.

كما يعد إدماج القراءة في الاستراتيجيات التعليمية والثقافية خطوة ضرورية لضمان الاستمرارية. التنسيق بين وزارات الثقافة والتعليم والإعلام يعزز من فعالية هذه السياسات.

نجاح هذه الجهود يتطلب رؤية شمولية وتقييمًا دوريًا للنتائج.

الشباب والقراءة: فجوة يمكن ردمها

يُنظر إلى الشباب غالبًا باعتبارهم الفئة الأقل إقبالًا على القراءة، غير أن هذا الحكم يحتاج إلى تدقيق. فاهتمامات الشباب تغيرت، لكن ذلك لا يعني غياب الرغبة في المعرفة.

الاقتراب من اهتماماتهم، وتوفير محتوى يناسب قضاياهم، واعتماد وسائط حديثة، يمكن أن يعيدهم إلى عالم القراءة. النوادي الشبابية، والمسابقات الثقافية، والقراءة التفاعلية، أدوات فعالة في هذا الاتجاه.

الشباب ليسوا ضد القراءة، بل يبحثون عن صيغة أقرب إلى واقعهم.

نحو استعادة مكانة القراءة في المجتمع

تُظهر المعطيات المتاحة أن ثقافة القراءة تواجه تحديات حقيقية، لكنها ليست في طريق الزوال. بين المدرسة والأسرة والإعلام والمؤسسات، تتوزع المسؤولية في إعادة الاعتبار للكتاب.

القراءة ليست ترفا ثقافيا، بل حاجة أساسية لبناء مجتمع واعٍ وقادر على مواجهة التحولات المتسارعة. المستقبل يفرض إعادة التفكير في طرق تشجيع القراءة، وربطها بالحياة اليومية والتكنولوجيا.

وفي ظل هذه التحولات، يبقى الرهان قائما على جعل القراءة ممارسة مجتمعية مستدامة، تواكب الحاضر وتؤسس لمستقبل أكثر وعيا ومعرفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى